أخبار العالمالمقالاتتفضيلات القراء

الشيخ جمال فراج يكتب التاجر الصدوق في خطبة الجمعة

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ أمَّا بعدُ:

أولًا: حثَّ الإسلامُ على الصدقِ في التجارةِ.

لقد حثَّ الإسلامُ على خلقِ الصدقِ في التجارةِ والبيعِ والشراءِ واهتَمَّ بهذا اهتمامًا كبيرًا، ولأهميةِ الصدقِ والحثِّ عليهِ أمرَ اللهُ المؤمنينَ أنْ يكونُوا دومًا في زمرةِ الصادقين، فقالَ: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.[التوبة: 119]؛ وذلك لأنَّ الصدقَ يورثُ الثقةَ بينَ المتعاملينَ، كما أنَّهُ سبيلٌ إلى بركةِ البيعِ والشراءِ، فَعَن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ  قَالَ:” الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا”(متفق عليه)؛ قال ابنُ حجرٍ:” في الحديثِ حصولُ البركةِ لهمَا إنْ حصلَ منهمَا الشرطُ وهو الصدقُ والتبيينُ، ومحقهَا إنْ وجدَ ضدهُمَا وهو الكذبُ والكتمُ، وأنَّ الدنيا لا يتمُّ حصولهَا إلّا بالعملِ الصالحِ، وأنَّ شؤمَ المعاصِي يذهبُ بخيرِ الدنيا والآخرةِ.”( فتح الباري)، ويكفِي أنَّ الصادقَ يُحشرُ مع النبيينَ والشهداءِ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ  قَالَ:” التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ”( الطبراني والحاكم والترمذي وحسنه)، كما أنَّ الصدقَ في التجارةِ ضمانٌ للجنةِ، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ  قَالَ:” اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمْ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ؛ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ؛ وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ؛ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ؛ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ؛ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ “. (أحمد والبيهقي والحاكم وصححه). لذلك عدَّ سلفُنَا الصالحُ الصدقَ ضربًا مِن ضروبِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ بل أحب، يقولُ يوسفُ بنُ أسباطٍ: « لأنْ أبيتَ ليلةً أعاملُ اللهَ بالصّدقِ أحبُّ إليّ مِن أنْ أضربَ بسيفِي في سبيلِ اللهِ »(مدارج السالكين).

وفي مقابلِ الترغيبِ في الصدقِ، فقد رهَّبتْ السنةُ النبويةُ الشريفةُ مِن الكذبِ في التجارةِ؛ لأنَّهُ يُبعثُ الكذابونَ مِن التجارِ يومَ القيامةِ فُجَّارًا، فعن رِفَاعَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ  إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ:” يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ:” إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ”،( الترمذي وصححه). فلو لم يكنْ الصدقُ والبِرُّ واجبين لَمَا حَكَمَ عليهم بالفجورِ، وفي الرواياتِ الأخرى لمَا قالَ : ” إنَّ التجارَ هُم الفجارُ “، قالُوا: أليسَ اللهُ أحلَّ البيعَ وحرَّمَ الربَا؟ قال: ” بلى، ولكنهُم يَحلِفونَ ويُحدِّثونَ فيَكذِبون”.

وهكذا حثَّ الإسلامُ على الصدقِ، ورهَّبَ مِن الكذبِ ولا سيّمَا في التجارةِ والبيعِ والشراءِ

ثانيًا: الصدقُ في التجارةِ مع اللهِ قصصٌ وعبرٌ.

تعالُوا لنقفَ في هذا العنصرِ مع صورٍ ونماذجَ تاجرُوا مع اللهِ، فكانت تجارتُهُم رابحةً.

ومِن بابِ الذكرِ فقدْ وردَ لفظُ التجارةِ في القرآنِ تسعَ مراتٍ في سورٍ متنوعةٍ، ولعلَّ الهدفَ منهُ تنبيهُ المسلمينَ بأنَّهَا سلاحٌ ذوِ حدينِ، متى أحسنَ الإنسانُ في استعمالِهِ بالصدقِ والأمانةِ ربحَ، ومتى أساءَ بالكذبِ والخيانةِ بارَ وكسدَ. ومِن ذلك قولُهُ تعالَى: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ }[فاطر: 29 – 30]، ويقولُ تعالَى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ }[الصف: 10، 11].

ولقد ضربَ الصحابةُ – رضي اللهُ عنهم – أروعَ الأمثلةِ في التجارةِ مع اللهِ، فهذا صهيبٌ الروميُّ الذي تاجرَ مع اللهِ فربحتْ تجارتُهُ، فعنهُ – رضي اللهُ عنه – قال: لمَّا أردتُ الهجرةَ مِن مكةَ إلى النبيِّ  قالتْ لي قريشٌ: يا صهيبُ قدمتَ إلينَا، ولا مالَ لك، وتخرجُ أنت، ومالُكَ ، واللهِ لا يكونُ ذلك أبدًا، فقلتُ لهُم: أرأيتُم إنْ دفعتُ إليكُم مالِي تخلونَ عنِّي؟ قالوا : نعم، فدفعتُ إليهِم مالِي، فخلُّوا عنِّي، فخرجتُ حتى قدمتُ المدينةَ، فبلغَ ذلك النبيُّ  فقالَ: ” ربحَ البيعُ صهيب مرتين” . ( فتح القدير ).

وهذا عبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ سيدُ التجارِ الصادقينَ الرابحينَ الأمناء، الذي ضُرِبَ بهِ المثلُ في التجارةِ، تاجرَ مع اللهِ فزوجَهُ اللهُ مِن الحورِ العينِ في الجنةِ، ” فعن أنسٍ، قال: قدمَ عبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ فآخَى النبيُّ  بينَهُ وبينَ سعدِ بنِ الربيعِ الأنصارِي، فعرضَ عليهِ أنْ يناصفَهُ أهلَهُ ومالَهُ، فقالَ عبدُالرحمنِ: باركَ اللهُ لكَ في أهلِكَ ومالِكَ، دُلَّنِي على السوقِ. فخرجَ إلى السوقِ وتاجرَ حتى أصبحَ مِن أغنَى أغنياءِ المدينةِ، يقولُ عبدُالرحمنِ بنِ عوفٍ:” فلقدْ رأيتُنِي ولو رفعتُ حجرًا لرجوتُ أنْ أصيبَ ذهبًا وفضةً.” (السيرة النبوية لابن كثير) .

وما أجملَ هذه الصورةَ التي تدلُّ على تجارةِ عبدِالرحمنِ بنِ عوفٍ الرابحةِ، فقد حدثَ غلاءٌ في زمنِ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنه وكان عثمانُ ذو النورينِ يملكُ قافلةً تجاريةً كاملةً وأنفقَهَا كلَّهَا لصالحِ الفقراءِ والمعدمين، ” فعن ابنِ عباسٍ قال: قحطَ الناسُ في زمانِ أبي بكرٍ، فقالَ أبو بكرٍ: لا تمسونَ حتى يفرجَ اللهُ عنكُم. فلمَّا كان مِن الغدِّ جاءَ البشيرُ إليهِ قال: قدمتْ لعثمانَ ألفُ راحلةٍ بُرًّا وطعامًا، قال: فغدَا التجارُ على عثمانَ فقرعُوا عليهِ البابَ فخرجَ إليهِم وعليهِ ملاءةٌ قد خالفَ بينَ طرفيهِمَا على عاتقِهِ فقالَ لهم: ما تريدون؟ قالوا: قد بلغنَا أنَّه قد قدمَ لكَ ألفُ راحلةٍ بُرًّا وطعامًا، بعنَا حتى نوسعَ بهِ على فقراءِ المدينةِ، فقالَ لهم عثمانُ: ادخلُوا. فدخلُوا فإذا ألفُ وقرٍ قد صُبَّ في دارِ عثمانَ، فقالَ لهم: كم تربحونِي على شرائِي مِن الشامِ؟ قالوا: العشرةَ اثنَي عشر، قال: قد زادونِي، قالوا: العشرةَ أربعةَ عشر، قال: قد زادونِي. قالوا: العشرةَ خمسةَ عشر، قال: قد زادونِي، قالوا: مَن زادَكَ ونحن تجارُ المدينةِ؟ قال: زادنِي بكلِّ درهمٍ عشرةَ، عندكُم زيادة؟ قالوا: لا!! قال: فأشهدكُم معشرَ التجارِ أنَّها صدقةٌ على فقراءِ المدينةِ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: فبتُّ ليلتِي فإذا أنَا برسولِ اللهِ  في منامِي وهو على برذونٍ أشهب يستعجلُ، وعليهِ حلةٌ مِن نورٍ، وبيدِه قضيبٌ مِن نورٍ، وعليهِ نعلانِ شراكهمَا مِن نورٍ، فقلتُ لهُ: بأبِي أنتَ وأُمي يا رسولَ اللهِ لقد طالَ شوقِي إليك، فقالَ : إنِّي مبادرٌ لأنَّ عثمانَ تصدقَ بألفِ راحلةٍ، وإنَّ اللهَ تعالى قد قبلهَا منهُ وزوجَهُ بهَا عروسًا في الجنةِ، وأنا ذاهبٌ إلى عُرسِ عثمانَ.”(الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري)

فعثمانُ رضي اللهُ سنحتْ له الفرصُ في الاحتكارِ والاستغلالِ وحاجةِ الناسِ، ومع ذلك آثرَ ما عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ والتراحمَ والتكافلَ، فتاجرَ مع اللهِ فكانتْ تجارةً رابحةً !! فأينَ التجارُ والمحتكرون مِن هذه القيمِ النبيلةِ ؟!! وأينَ الذين يبيعونَ دينَهُم مِن أجلِ الدينارِ والدرهمِ، أو مِن أجلِ زيادةِ حبةٍ أو إنقاصِ حبةٍ في البيعِ والشراءِ ؟!! انظروا إلى سلفِنَا الصالحِ وورعهِم وصدقهِم مع الخصاصةِ والحاجةِ !!

وهذا الإمامُ أبو حنيفةَ – الذي ملأَ علمُهُ الآفاقَ، والذي أسّسَ مذهبًا في الفقهِ منتشرًا في كلِّ مكانٍ وزمانٍ – كان تاجرًا ماهرًا مباركَ اليدِ، صادقَ الكلمةِ غيرَ حلّافٍ، وكان موفقًا نتيجةَ الصيتِ الحسنِ والسمعةِ الطيبةِ، وكثرةُ الزبائنِ وإقبالُ الناسِ هي المقياسُ الحقيقيُّ لنجاحِهِ، وكان منهجُهُ الصدقَ والأمانةَ في البيعِ والشراءِ، وكان يتاجرُ في الخزِّ «الأقمشةِ والثيابِ». وذاتَ يومٍ جاءتْهُ امرأةٌ بثوبٍ مِن الحريرِ تبيعُهُ لهُ، فسألَهَا: كم ثمنُهُ؟ فقالتْ: مائةً. فقالَ: هو خيرٌ مِن مائةٍ، بكم تقولين؟ فزادتْ مائةً مائةً حتى بلغتْ أربعمائةَ درهمٍ، فقالَ: هو خيرٌ مِن ذلك. فقالتْ أتهزأُ بِي؟ فقال: هاتِي رجلاً يقومُهُ، فجاءتْ برجلٍ فاشتراهُ بخمسمائةِ درهمٍ!!

 وفي روايةٍ أٌخرى لصدقهِ وأمانتِه في البيعِ والشراءِ أنْ جاءَهُ صديقٌ يطالبُهُ بثوبٍ خُزٍّ على وصفٍ ولونٍ بعينهمَا، فقال له أبو حنيفةَ: اصبرْ حتى يقعُ وآخذهُ لك.. إنْ شاءَ اللهُ تعالى. فما دارتْ الجمعةُ حتى وقعَ، فمرَّ بهِ الصديقُ، فقالَ لهُ قد وقعتْ حاجتُكَ، وأخرجَ إليه الثوبَ، فقال: كم إذًا؟ قال أبو حنيفةً: درهمًا، فقال الصديقُ: ما كنتُ أظنُّكَ تهزأُ بي، قال أبو حنيفةَ: ما هزأتُ، إنِّي اشتريتُ ثوبينِ بعشرينَ دينارًا ودرهمًا، وإنِّي بعتُ أحدهَمَا بعشرينَ دينارًا وبقيَ هذا بدرهمٍ.

فالإمامُ أبو حنيفةَ أعطاهُ ثوبًا يُساوِي عشرينَ دينارًا بدرهمٍ واحدٍ، وكان قادرًا على أنْ يبيعَهُ بعشرينَ دينارًا مثلَ الثوبِ الآخرِ، ولكنّهُ آثرَ الصدقَ والإخلاصَ والأمانةَ والسماحةَ في البيعِ والشراءِ!!

 فأينَ نحن مِن هذه المعاني المفقودةِ في زمانِنَا هذا ؟!!

ثالثًا: ثمراتُ وفوائدُ الصدقِ في التجارةِ.

هناكَ ثمراتٌ وفوائدُ عديدةٌ للصدقِ في التجارةِ يعودُ أثرُهَا على الفردِ والمجتمعِ في الدنيا والآخرةِ:

منها: محبةُ الناسِ للصادقِ ورواجُ بضاعتِهِ: فالتاجرُ الصادقُ الأمينُ يُعتبرُ مكسبًا مهمًّا لا يُمكنُ أنْ يُعوَّضَ بالنسبةِ للمشترين، والتجارِ الآخرين، فالتزامُ التاجرِ بالصدقِ يكفلُ لهُ رواجَ بضاعتِهِ، وثقةَ الناسِ فيهِ، وإقبالَهُم على الشراءِ منه، حتى لو لم تكنْ بضاعتُهُ ذاتَ كفاءةٍ عاليةٍ في الكثيرِ مِن الأحيانِ، أو حتى لو كان سعرُهُ أعلَى مِن سعرِ نظرائِهِ مِن التجارِ. وفي ذلك يقولُ عليٌّ بنُ أبِي طالبٍ- رضي اللهُ عنه-: « مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ ثَلَاثٌ وَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثٌ: مَنْ إذَا حَدَّثَهُمْ صَدَقَهُمْ، وَإِذَا ائْتَمَنُوهُ لَمْ يَخُنْهُمْ، وَإِذَا وَعَدَهُمْ وَفَّى لَهُمْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ تُحِبَّهُ قُلُوبُهُمْ، وَتَنْطِقَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَلْسِنَتُهُمْ، وَتَظْهَرَ لَهُ مَعُونَتُهُمْ». ( الآداب الشرعية لابن مفلح).

ومنها: حصولُ البركةِ في البيعِ والشراءِ: كمَا جاءَ في الحديثِ الشريفِ: ” فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا “.(متفق عليه). قالَ ابنُ رجبٍ: ” فحصولُ البركةِ لهمَا إنْ حصلَ منهمَا الشرطُ وهو الصدقُ والتبيينُ، ومحقُهَا إنْ وجدَ ضدهمَا وهو الكذبُ”.(فتح الباري لابن رجب).

ومنها: مرافقةُ النبيينَ والشهداءِ في الجنةِ: فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ  قَالَ:” التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ”(الطبراني والحاكم والترمذي وحسنه).

 وإنّمَا كان التاجرُ الصدوقُ مع النبيينَ والصديقينَ والشهداءِ؛ لأنَّ التاجرَ الصادقَ الأمينَ يحملُ مِن الصفاتِ الواجبةِ للرسلِ وهي: الصدقُ والأمانةُ، فناسبَ أنْ يكونَ معهُم في الآخرةِ.

فما أحوجَ الأمةَ الإسلاميةَ إلى صدقِ التعاملِ في البيعِ والشراءِ، والبعدِ عن الأيمانِ الكاذبةِ، فقد نهَى النبيُّ  عن كثرةِ الحلفِ في البيعِ والشراءِ، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ:” الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ” ( البخاري ومسلم)، قالَ الإمامُ النوويُّ:” وفيه النهيُ عن كثرةِ الحلفِ في البيعِ، فإنَّ الحلفَ مِن غيرِ حاجةٍ مكروهٌ وينضمُّ إليهِ ترويجُ السلعةِ وربَّما اغترَّ المشترِي باليمينِ” ( شرح النووي ).

ألَا فلنعدْ إلى ما كان عليهِ سلفُنَا الصالحُ مِن صدقٍ في المعاملاتِ والبيعِ والشراءِ حتى نكونَ قدوةً لغيرِنَا ودعوةً للآخرين إلى الدخولِ في هذا الدينِ الحنيفِ، إنّنَا إنْ فعلنَا ذلك فزنَا في الدنيا بالسعادةِ والثقةِ والطمأنينةِ والتراحمِ فيمَا بينَنَا، وفي الآخرةِ بالجنةِ والمغفرةِ والثوابِ العظيمِ.

نسألُ اللهَ أنْ يرزقنَا الرزقَ الحلالَ ويباركَ لنَا فيهِ، وأنْ يحفظَ مصرَنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى